عصام عيد فهمي أبو غربية
486
أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق
أما الترجيح ؛ فقد عرّفه الأصوليون بأنه « إظهار زيادة أحد المتماثلين على الآخر بما لا يستقلّ لو انفرد ؛ أي أنه يكون بأمر تابع مما يفيد المجتهد ظنّا غالبا بالرجحان ، والمرجحات كثيرة » 5 . ( 2 ) عند النحاة : التعارض والترجيح عند النحاة مأخوذ من الدلالة اللغوية ، وهو قريب من معناه عند الأصوليين ؛ فهو بمعنى أن تتعارض الأدلة المختلفة أو المتفقة ثم يتمّ المقابلة بينها ، وترجيح أحدها على الأخرى . بيد أن فكرة التعارض والترجيح تختلف في أصول الفقه عنها في أصول النحو ؛ فلا يوجد تعارض حقيقي في أصول الفقه بين الأدلة الشرعية ؛ « لأنه جمع بين متناقضين ، وهو محال على الشارع الحكيم المحيط علمه بكل شئ ؛ لأنه أمارة العجز تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، وإنما المراد منه - هنا - التعارض الظاهري في نظر المجتهد المستنبط للأحكام من أدلتها قبل معرفة الناسخ والمنسوخ من الدليل ، أو قبل أن يظهر له رجحان أحدهما على الآخر أو إمكان الجمع بينهما ؛ فهو يحكم في بادئ الأمر بالتعارض قبل البحث ، وبعد بحثه وتأمله يزول هذا التعارض غالبا » 6 . أما في النحو ؛ فالتعارض موجود ؛ فمن الممكن أن تتعارض الأدلة ثم بعد ذلك يتم الترجيح بينها بناء على ما ذكره النحاة وما اختاروه لأنفسهم . والحق فإن التعارض والترجيح بين الأدلة ألحق بعلم الجدل النحوي منه بأصول النحو ؛ لأنه إ « ذا تعارضت الأدلة أو تعارضت الأقيسة بدأ ما يسمّى ب ( الجدل النحوي ) ، وهو حجاج بين النحاة له قواعده وأصوله وآدابه وأدلته المرتبطة به والتي لا ترتبط بالضرورة بصناعة النحو » 7 . وقد ذكر ( ابن جنى ) في ( الخصائص ) شيئا ممّا ينبغي على المجتهد الأخذ به عند تعارض الأصول 8 ، وعقد بابا في تعارض السماع والقياس 9 . ثم جاء بعده الأنباري فعقد ثلاثة فصول له في كتابه ( لمع الأدلة ) 10 جعلها في : بيان المعارضة ، ومعارضة النقل بالنقل ، ومعارضة القياس بالقياس .